تغيرات المشهد الإعلامي الراهن ودورها في تطوير بحوث الإعلام

Updated: Sep 24, 2018

تمهيد

أفضت التطورات المتسارعة في المشهد الإعلامي الراهن، وتحديداً خلال العقدين الأخيرين، إلى تغيرات يمكن وصفها بالهيكلية، ليس فقط على صعيد ثراء وتنوع المضامين الإعلامية، أو تغير نظرة الباحثين لعلاقة الجمهور بوسائل الإعلام والاتصال، ولكن فيما يتصل كذلك بتأثير تلك التغيرات على تطور بحوث الإعلام ذاتها. يعني ذلك أن تلك التطورات قد أسفرت عن تغيرات "جذرية" لم تطل الممارسة الإعلامية فحسب بل امتدت للتنظير الإعلامي ذاته. من هذه الزاوية تناقش رؤية اليوم مراحل تطور بحوث الإعلام، محاولة إلقاء الضوء على أثر تغيرات المشهد الإعلامي الراهن في تطور مسيرة تلك البحوث.

جدلية الحتمية التكنولوجية وعلاقتها بتطور بحوث الإعلام

يثور الجدل بين الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية، من حين لآخر، حول علاقة التطور التكنولوجي بالتغير الاجتماعي social change وأي منهما يسبق الآخر. مدار ذلك الجدل سؤال محوري مفاده: هل التطور التكنولوجي هو الذي يفضي للتغير الاجتماعي أم العكس؟ أسفر ذلك الجدل عن ظهور مفهوم الحتمية التكنولوجية technological determinism، الذي انتهى أنصاره إلى أن أي تغير اجتماعي ثقافي ينجم بالأساس عن ظهور وسيلة تقنية جديدة وليس العكس. بالانتقال إلى انعكاسات ذلك الجدل في المجال الإعلامي، يبدو أن مقولة الحتمية التكنولوجية لاقت قبولاً واسعاً لدى الباحثين والممارسين في حقل الدراسات الإعلامية بشكل عام. تتجلى مظاهر ذلك القبول بالنظر، على سبيل المثال، إلى التصنيف الكلاسيكي لمراحل تطور بحوث الإعلام كما توردها الأدبيات الإعلامية الغربية تحديداً.

مراحل تطور بحوث الإعلام .. لمحة عامة

وفقاً لعديد من الباحثين (انظر على سبيل المثال، Wimmer & Dominck, Mass Media Research: An Introduction, Thomson Wadsworth, Belmont, USA, 2006)، مرت بحوث الإعلام بأربع مراحل رئيسة يوضحها الشكل التالي (المرجع السابق، ص 7):المرحلة الأول: تمحور اهتمام الباحثين خلالها حول دراسة الوسيلة الإعلامية الجديدة (أحد تمظهرات التطور التكنولوجي): ماهيتها،كيفية عملها، الفروق التقنية بينها وبين سابقاتها، وظائفها، تكلفة استخدامها.

في المرحلة الثانية، اهتم الباحثون بدراسة كيفية توظيف الجمهور للوسيلة الإعلامية الجديدة وما إذا كان ذلك لأغراض ترفيهية/تعليمية، كما اهتموا بدراسة الإشباعات الناجمة عن استخدام الوسيلة الجديدة. أما المرحلة الثالثة، فقد عكف الباحثون خلالها على دراسة التأثيرات النفسية والاجتماعية والفيسيولوجية الناجمة عن استخدام الوسيلة الإعلامية الجديدة. في المرحلة الرابعة، التي نعيشها الآن، اهتم الباحثون بدراسة كيفية الوصول بشكل ومضمون الوسيلة الإعلامية لأعلى كفاءة تشغيلية ممكنة بما يلبي التغير في خصائص الجمهور النفسية والديموجرافية، وتغير الفلسفة الحاكمة لعلاقة الجمهور بوسائل الإعلام والاتصال وتحوله من مجرد متلق سلبي للمضامين الإعلامية إلى مشارك أصيل في إنتاجها. في ضوء ما تقدم، يمكن النظر للتصنيف الكلاسيكي لمراحل تطور بحوث الإعلام باعتباره نموذجاً تطبيقياً يدعم صحة مقولات أنصار الحتمية التكنولوجية في المجال الإعلامي. عملياً، أسفرت المرحلة الرابعة الراهنة لتطور بحوث الإعلام عن ظهور أدوات ومناهج بحثية جديدة من شأنها زيادة فهم الباحثين لدوافع استخدام الجمهور لوسائل الإعلام والاتصال الجديدة، ورصد الكيفية والآليات التي تحولت معها وسائل الإعلام من مجرد وسائل ترفيهية إلى رأس مال اجتماعي social capital تمكن بفضلها الجمهور من إدارة علاقاته الاجتماعية على النحو الذي يحقق له مزيداً من الأمن النفسي والاجتماعي.

23 views0 comments