متى يمكن لوسائل الإعلام أن تغير اتجاهات وسلوكيات الجمهور؟

تمهيد

تٌعد النظرية الوظيفية functionalism أحد المداخل النظرية الثرية التي يجري توظيفها لفهم متى وكيف تؤثر وسائل الإعلام في اتجاهات وسلوكيات الجمهور. تتعامل النظرية مع المجتمع باعتباره كائناً حياً تعمل مؤسساته (أعضاؤه) المختلفة بشكل متناغم بما يحفظ استقرار المجتمع وتماسكه. انطلاقاً من فرضيات النظرية الوظيفية، يجري التعامل مع وسائل الإعلام كونها واحدة من المؤسسات التي تضطلع بأدوار وظيفية محددة، من بينها مثلاً: إمداد الجمهور بالمعلومات، التنشئة الاجتماعية، التسلية، تفسير الأخبار والوقائع بما يزيد من قدرة الجمهور على فهم ما يجري من حوله (لمزيد من التفاصيل حول علاقة وسائل الإعلام بالنظرية الوظيفية، انظر:Elizabeth Perse, Media Effects and Society, Lawrence Erlbaum Associates, London, 2008).


عودة للنقاش حول جدلية "التغيير" في مقابل "التعزيز"

ناقشت رؤية الأسبوع الماضي فرضية "التغيير" مقابل "التعزيز"، وانتهت إلى التأكيد على أن قدرة وسائل الإعلام في "تعزيز" الاتجاهات والسلوكيات المسبقة لدى الجمهور تفوق قدرتها على "تغيير" تلك الاتجاهات والسلوكيات بشكل جذري، وفق اعتبارات سيكولوجية وإعلامية وتقنية سبق طرحها. لا يعني ذلك، في حقيقة الأمر، انعدام قدرة وسائل الإعلام بالكلية على "تغيير" اتجاهات وسلوكيات الجمهور، حيث تتعاظم قدرتها في "تغيير" الاتجاه والسلوك في أوقات الأزمات المجتمعية على سبيل المثال، وهي النقطة محل نقاش رؤية اليوم.


­­ شكل يوضح تأثيرات وسائل الإعلام وفق نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام

المصدر: https://goo.gl/sg8koY



تنامي قدرة وسائل الإعلام في "تغيير" الاتجاه والسلوك أوقات الأزماتتشيع أوقات الأزمات حالة عامة من الضبابية وعدم التيقن، ووفق نتائج عديد من الدراسات الإعلامية تزداد معدلات الاعتماد على وسائل الإعلام في تلك الأوقات بحثاً عن المعلومات من جهة والوقوف على حجم المخاطر التي تتهدد الفرد والمجتمع بفعل الأزمة من جهة ثانية (انظر، الفصل الثالث من المرجع السابق ذكره). وللبحث في ماهية الأدوار الوظيفية لوسائل الإعلام ورصد الكيفية التي تؤثر من خلالها على اتجاهات وسلوكيات الجمهور، طور ملفن ديفلير وبول روكتش نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام media system dependency theory في سبعينيات القرن الماضي. نقطتان جديرتان بالملاحظة تفضي إليها قراءة متأنية للنظرية: الأولى أنها تتعاطى مع الإعلام بوصفه نظاماً مستقلاً independent system يؤثر في المجتمع مثلما يؤثر فيه النظامان الأسري والتعليمي مثلاً. النقطة الثانية أن حجم التأثير المعرفي والوجداني والسلوكي لوسيلة إعلامية ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدلات اعتماد الفرد ذاته على تلك الوسيلة (للاطلاع على النظرية ومراحل تطورها، انظر Baran & Davis, Mass Communication Theory: Foundation, Ferment, and Future, USA, Thomson Wadsworth, 2006).



تساعدنا نظرية الاعتماد، إذن، في فهم وتفسير متى يمكن لوسائل الإعلام أن تغير (لا أن تعزز فقط) من اتجاهات وسلوكيات الجمهور. استناداً للنظرية، تزداد قدرة وسائل الإعلام على "تغيير" اتجاهات وسلوكيات الجمهور أوقات الأزمات على وجه التحديد لسببين: الأول يتعلق بحالة التوتر وعدم التيقن المصاحبة لنشوء الأزمة وتطورها، ما يدفع نحو زيادة الطلب على المعلومات والأخبار والآراء المتصلة بالأزمة. السبب الثاني يتصل بتنامي معدلات اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام وقت الأزمات بغية تخفيف حالة التوتر والقلق الناجمة عنها، ما يزيد من قدرتها التأثيرية على اتجاهات وسلوكيات الجمهور. في ضوء حالة الضبابية المصاحبة للأزمة وما ينجم عنها من تراجع ملحوظ في قدرة عموم الجماهير في الحكم على الأشياء والتصرف بعقلانية، يميل الأفراد للتعامل مع الميديا بوصفها الملاذ الآمن والسريع لإشباع الطلب الجماعي المتزايد على المعلومات والأخبار والآراء المختلفة حول الأزمة. يفضي ذلك ـ إذن ـ إلى ارتفاع معدلات الثقة فيما تطرحه الميديا من مضامين إعلامية وقت الأزمات، ومن هنا تكمن قدرتها على "تغيير" الاتجاهات والسلوكيات إبان تلك الفترات المجتمعية الحرجة.

21 views0 comments